مقالات

أحمد ولد داداه … 24 سنة بين لقاءين!

محمد الأمين ولد سيدي مولود

ـ هل فهمتم ما قال الرجل؟

ـ لا ، طبعا

ـ قال إن احمد عندما ينجح سيقومون بذبح “البيظان” انتقاما مما حصل ل”للكوَرْ” …!!

كان السؤال موجها من طرف بعض من حضور مهرجان مرشح الرئاسيات مطلع العام 1992 أحمد ولد داداه في النعمة، وكان موجها إليّ ضمن رفقة من زملائي في الاعدادية وأعمارنا بين 13 و15 سنة، والطريف المخجل والمضحك المؤسف أن السؤال كان موجها من بعض سكان المنطقة ممن لا يعرف كلام “لكور” وكان ضمن تعليق على رجل كان يترجم خطاب أحمد إلى اللغات الوطنية، لكن مخابرات ولد الطايع وماكينة الحزب الجمهوري كانت شغالة لتشويه صورة الرجل في أعماق موريتانيا حيث الثقل الديموغرافي، ونقص الوعي، وغياب اي تنوع سياسي، والولاء المطلق والمجاني لكل من يحكم القصر في نواكشوط .. لقد نجحت المهمة، فقد انطلقنا مساء غد، وبعضنا نفس اليوم في سيارات النقل إلى ضواحي النعمة حيث عشرات القرى والبلديات، وكان القصة الأبرز التي حملها كثير ممن حضر ذلك المهرجان، أن أحمد ولد داداه جاء يحارب “البيظان” ويريد تسليم موريتانيا للزنوج!

كان ذلك اليوم، في غرة يناير 1992 في النعمة أول يوم أشاهد فيه وأعرف السيد أحمد ولد داداه، لقد كانت مفاجأتي كبيرة جدا، بل صدمتي واستغرابي عندما سمعت الرجل يقول، ردا على مضايقة الوالي لهم، في أول جملة له قبل أن يبدأ خطابه الرسمي: “واليكم ذا لعاد بيه الجهل كروه، ولعاد بيه الظلم أنصحوه” أو شيء قريب من هذا …. حيث لم أكن أظن أنه بالامكان انتقاد الوالي أمام كل هذا الجمهور، وفي مكبرات الصوت في بطحاء النعمة قرب دار الوالي نفسه، فقد كنا في بئة تكاد تنشد لكل وال وحاكم قول ابن هانئ الأندلسي:

ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ / فاحكُمْ فأنتَ الواحد القهّارُ

لقد كانت عقد التسعينات حقبة ازدهار تشويه صورة السيد أحمد ولد داداه في موريتانيا الأعماق، وخاصة الحوض الشرقي، وكانت فترة ازدهار القبائل، وأنماط الرجعية والفساد، والاستعراضات القبلية، وقتل كل مظاهر الوعي، بدل أن تكون حقبة وعي وسطوع نجم الديموقراطية والتعددية لأول مرة، لكن العكس هو ما حصل بسبب تكريس السلطات كل طاقاتها المادية والمعنوية من أجل ابقاء تلك المنطقة بعيدة عن تأثير أي ساع إلى التغيير، وهو أمر ما زال تأثيره قائما إلى اليوم بسبب استمرار نفس النهج من طرف الأنظمة، وعجز النخبة المعارضة والمثقفة عموما عن الوصول إلى هناك بشكل فعلي وجاد، خارج فترات مواسم الانتخابات.

تابعت عن بعد بعض ما يقال وما ينشر عن أحمد ولد داداه في حدود قدرتي على الاستيعاب، وتأثير المحيط، وفي حدود اهتمامي بالشأن العام، وهو اهتمام لم يتبلور بشكل واضح إلا نهاية التسعينات (ربما أو ظهور لي في الاعلام كان في جريدة اخبار انواكشوط 1999 أو 2000) وعمري ينيف قليلا على العقدين، بعد الزحف من الأعماق إلى العاصمة، حيث أصبحت أعرف عن أحمد أكثر بعد اعتقالاته المتكررة وملاحقته المتزايدة من طرف نظام معاوية.

مطلع الألفية كنت ضمن بعض الشباب الذين ينعشون أماسي التكتل في مقره قرب توجونين، وقمت هناك بتحريف نشيد الكتاب، رغم أني لم أنتسب للتكتل، لكنه كان مأوى المعارضين من كل الجهات، وكنت معجبا جدا بزعيمه أحمد الذي لم أتشرف بلقائه بشكل مباشر رغم وجودي ضمن نشطاء حملته في الشوط الثاني في الثاني من انتخابات 2007 في توجونين ودار النعيم وعرفات.

أمس مساء، وبعد 24 سنة من أول يوم أرى فيه الرئيس أحمد عن قرب، كنتُ على موعد نادر معه في منزله، واستمر لقائي معه حوالي 3 ساعات، لم يفصلها غير الصلاة في مسجد يحرص أحمد على الصلاة فيه كلما سمع الاذان ـ وإن كان يطيل الجلوس في المسجد خاصة المغرب والفجر كما شاهدت وكما اخبرني بعض جيرته والعارفين به ـ تحدث الرجل خلال هذه الفترة بحنكة وبصيرة وتواضع ولطف وظرافة ، فجمع بين السياسية والأدب والتاريخ والتراث والاقتصاد، وتطرق لواقع البلد وما يعانيه هذا الشعب قليل العدد رغم وفرة الامكانات، وشرح أسباب الانهيار وغياب الرؤية والارادة لدى النظام القائم، وتطرف للمشكل الاجتماعي وأشبعه نقدا وتقييما، مبرزا اشكالية الارث الانساني، وخطورة ملف الرق ومخلفاته، وعرج على الملف الامني والمخدرات، والفساد المالي والاخلاقي، وأهمية أن يقوم الشباب بدوره لتلافي الوطن من براثن الضياع.

تحدث أحمد من مكان العارف بالاقتصاد، المجرب للتسيير والتدبير، ومن مقام المناضل الصامد المستقيم، ومن زاوية السياسي الصبور ذي الرؤية الثاقبة، تحدث الرجل وهو يعيش بصدق واقعا مرا لبلده الذي أحب وضحى من أجله بماله ووقته وسمعته وراحته، تحدث بتحسر على وطن يمكن ثروات هائلة وشعب لا يريد الكثير، وأوضح أنه “لم ير من عيوب الناس عيبا، كنقص القادرين على التمام).

خرجت بخلاصة واحدة، وهي أن بلدا يكون فيه أمثال الرئيس أحمد خارج دائرة القرار، ويتعرضون للمضايقات وحملات التشويه، ويحكمه المفسدون ليس بلدا على ما يرام، وأننا لن نكون بخير ما لم نبعث تلك القيم التي تجعل من أحمد وأمثاله يتصدرون المشهد الفعلي ويصنعون القرار، ويقومون بالتغيير، وتجعل من يحاربون القيم والاصلاح، ويدمرون البلد والمجتمع على الهامش، إلى أن يغيروا أنفسهم وأخلاقهم ومستوياتهم وأساليبهم.

محمد الأمين ولد سيدي مولود